متأكدة أن – النجراني - ذلك الشخص الذي عرفته في سنون خلت هو ذات
الرجل الذي عهدته صنديداً مهاباً حنوناً كريم .
وليس كما صرح عن نفسه مؤخرا ..
حين فقد توازنه وبدأ يهذي عن ماضيه وحزنه وألمه ومرارة ما حدث في سابق حياته !
بتلك الكلمات أعلاه بدأت -مزن- حديثها .. ثم صمتت برهه ..
بدت صديقتي تلك كأنها تحدث نفسها .. أو تفكر بصوت مرتفع ..
أعطيتها وقتها لتنتهي من تلك الأفكار التي سرحت بها حيث لا أدري ..
تتمتم تارة .. وتهمس تارة ..
وعيناها ملئى بلمعة غريبة ..
ظللت أتكهن من تراه ذلكم النجراني الذي أفقدها توازنها !!
وماذا كان يعني لها لدرجة أنها بدت لي هي الآخرى ليست في طبيعتها المعهوده؟
حين استجمعت قواها وسكنت قليلاً ..
علمت منها بأنه رجل في عقده الثلاثون ...
يملك كل صفات الرجولة خصوصا بعد تقلص عدد الرجال في القرن الجديد ..!!
يعطي الكثير في حين أنه لا يملك شيء !
يمتلك مدينة حب كاملة بين أضلعه..ومع ذلك لازال يبحث عن حبه المفقود !
له قدره مذهله على رسم الإبتسامات برغم شُـح ابتسامه .!
حديثه عباره عن حقن موروفين لكل المتعبين..!
يجمع الكثير من المتناقضات التي تشكل في جملتها شخصية فريده!
دائماً مايردد بيت شعر من قصيدة نادره للملك فيصل رحمه الله:
ترى بعض العرب عمله بروحه مثل عمل سراج
يضوي للعرب والنار فـي جـوف المسكينـي
يرى بأن ذلك البيت من الشعر يصف حياته ببساطه فهو يعلم تماما بأنه
الشمعة التي تحترق ليضيء عتمة الجميع.
وهو بلا شك سعيد لأنه مصدر سعادة للغير
ولكن دائماً ماتجد قلبه يبكي بحذر لأنه لم يتطلع قط لمساعدة أحد !
ببساطة لم يعتاد على الأخذ أياً كان نوعه..!
وكأنه يعيش من أجل المحيطين به فقط متناسياً روحه وقلبه ونفسه المرهقه..
يملك قدرة رهيبه على كتم ويلات ماضيه ..
وفي المقابل لا يتوانى مطلقا عن الاستماع لآهات من حوله ونائبات حياتهم..
مع حديث مزن عنه شعرت برغبه في معرفته ..
كانت تتحدث عنه بطريقه تجعلك تصمت برغبه شديدة للغوص في كينونته أكثر..
ظلت مزن..تتحدث بلا انقطاع ..كان حديثها فعلا ذا شجوون ..برغم قسوة بعضه..!
شعرت أنني أعيش في دهاليز حياة ذلك الرجل الصلب الرقيق!
فبالرغم مما كان يعانيه من ويلات إلا أن قدرته اللامعقوله على تلوين حياة
من حوله وادخال البهجه في نفوسهم كان أمراً من شأنه أن يقف الشخص
منا للتأمل في بذخه العجيب!
ليس فقط المقربين والأصحاب اللذين نالوا شرف وقوفه بجانبهم ..
حتى الأغراب اللذين قد لا يعرفهم سوى لدقائق .. قد نالوا ما ناله غيرهم ...
أو يخفي كل تلك الأوجاع لكي لا يؤذي من يحبه ..
بينما يظل الآخرون يثرثرون أمامه بكل شيء وعن أي شيء ..
متناسين بأنه رجل ذا حزنِ عتيق ..
وقلب رقيق ..
قد لا يقوى على كثير الكلام ..
وعـِظيم الآلام ..
بعد كل تلك السنوات التي تشربت فيها روحه وعظامه مآسي الجميع ومصائبهم!
ولكن هم كذلك دائماً المجروحون ..
عطاياهم لا تنقضي
ومناقبهم لا تنتهي..
رموز هُم .. وأعلام معروفه..
بصدقهم وكبريائهم بعزتهم وشموخهم كالجبال .. صامدوون .. مُـهابوون ..
دائما ما يقول : نحن هياكل صامده !!
وهل الهياكل تصمد أيها النجراني كصمودك المحتذى به ؟
يجيد الإستماع لك لدرجة أنك تجد نفسك تسهب في الحديث معه
كعقد أنفرط أوله ولم يتوقف حتى انتهت كل خرزاته من الوقوع..
ولم يتبقى سوى الخيط الذي حمل ذلك الخرز ..
نعم .. تصبح خفيفاً مرتاحاً بعد أن تفرغ من الحديث معه كخفة خيط الخرز ذاك...
كيف لايكون بهذه العبقرية في الإستماع وهو الذي يقول دائما:
قد خلق لنا الله أذنين لنستمع أكثر.. وفم واحد لنتحدث أقل...
لا يحب الإطراء مطلقا برغم استحقاقه له وإذا ما مُدِح
يظل يردد دعاء .. جعلني الله خيراً مما يظنون .. وغفر لي مالايعلمون !
مع حديث مزن الطويل ظلت الأسئلة تتزاحم بعقلي بعبثية جميلة ..
كيف يحافظ بعض الناس على رباطة جأشهم وصلابتهم وعطائهم
في حين أنهم الأحوج لكل تلك المنح التي يقدمونها بلا حساب ولا مقابل؟
الصبر على الإبتلاءات منحه إلهية لا يجيدها أغلبنا ..
ومع ذلك نجد أولئك الصابرون ( الوجعى ) ..
قد ضربوا لنا أروع الأمثله في البذل والعطاء وكريم الخُــلق ..
فلنبقي على روعتنا مهما عصفت بنا رياح الحياة
وألقت بنا على شواطئ الأحزان ..
ورمت بثقلها على كواهلنا ..
واحرقتنا .. وانهكتنا .. وآذتنا .. وأحنت ظهورنا..
فحتى لو كنا نمشي عكس التيار كما يظن البعض فيكفي اننا لازلنا نملك أقداما نسير بها ..
ويكفي أننا لازلنا نتنفس ..
ويكفي أننا راضون عن أنفسنا برغم الحرقه التي نكتوي بها بين الحين والآخر .
ولنا في رجل حديثنا الصنديد خير قدوة ..
أيها النجراني :
أعلم بأنك بت تظن بأنك مجبول على الفضيلة ودرء الأذى عن من تحب
وأعلم يقيناً بأنك بت تتحس ملامحك فلا تجد عينيك التي انهكها الملح !
ولا تجد أنفك الذي مل من رائحة الماضي..
وقد يكون فمك قد اختفى هو الآخر من طول ماكابد الصمت سنوات ...
ولم يتبقى من حواسك الخمس سوى تلك الأذنين العظيمتين التي تشربت ألف حياه بائسة!
وتلك اليد الحانية التي تمسح بها على أكتاف الأحبه!
ولكن ..
ستجني قريباً جدا ثمار كل ما زرعته من حب..
متأكده بأنك ستجد الراحه التي تنشدها منذ أزمنه خلت ..
وستجلس على ذلك الكرسي الخشبي وتطل من النافذه
وترى كل الغيوم قد انقشعت و أصبح الجو صحوا.. منعشاً..
ستستمع لسمفونية العصافير الصغيرة..
وستتراقص حولك الفراشات الملونة..
وستنظر لبساتينك لتجدها قد أزهرت جلناراً .. ورندا ً ..
حينها ستمتلئ رئتيك بالأوكسجين النظيف
وستتنفس حياتك من جديد ..
وستبتسم ..
نعم .. ستبتسم ملئ شفتيك
ومن كل أعماقك ستبتهج ...
وسيظل الماضي ماضياً ..
ولتعش يومك ولا تسمح لدقيقة اخرى أن تضيع في التفكير بالماضي أو حتى الغد ..
لأنه سيكون ماضياً مندثراً وسيجئ غدك جميلاً جدا وكأنني أراه ..(بإذن الله)
ولا بأس أيها النجراني أن نضعف حينا.. ونبكي في حين آخر
ولكن جل ما أرجوه أن لا تدع للإنهيار عليك طريق
فلا زال محبووك يريدونك فكيف تتخلى عنهم بعد أن اعتادوك يارجل !
ستظل بالنسبه لهم كالهرم الشامخ الذي لا تنحته عوامل التعريه
ولا تسقطه تقلبات الأيام..
حتى بعد أن انهرت أمامهم في تلك اللحظة اليتيمه لن تتغير نظرتهم إليك
قد يحاولون أن يخففوا من عبئهم عليك ولكن لن يتمكنوا أبدا
عن الاستغناء عنك ماحيـو..!
وأنا سأصلي من أجلك وسأطلب من الرب أن يريك ما تريده عاجلاً غير آجل .
فلا تكن سوى ذلك القوي الذي عرفه الجميع..
وانتبه من تأطير نفسك ببرواز يكبلك فلا بأس من البوح أحيانا ً يا صديقي ...
فليطمن قلبك ولتستكين نفسك المتعبه فيكفيها ما رأت في رحلة الثلاثون عاماً الماضية...
لله درها تلك النفس العظيمة التي تسكنك ..
أيها النجراني..
ليبدأ ميلادك الجديد من هذه اللحظة...
..................
من قلبي تحية لكل أولئك المحزونين الأشداء ...الصامدوون ...
..................
والآن سأضع قلمي .. لأنني لن استطيع أن أكتب كل ما قالته لي مزن فلم يعد من شك بأن ذلك النجراني رجل لا يشبه أحدا !
.jpg)


